القائمة الرئيسية

الصفحات

🔴 هذه هي الحقيقة التي لم تُكشف من قبل... لماذا تغرق تونس في الظلام رغم أنها من أكثر الدول إشراقًا بالشمس؟…

 





مع كل موجة حرّ تشهدها تونس، يتكرر المشهد نفسه في عدد من المناطق، حيث تنقطع الكهرباء خلال ساعات الذروة، لتغرق أحياء كاملة في الظلام، وسط حالة من الاستياء والتساؤلات حول الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة التي باتت تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، كما تلقي بظلالها على الأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية.



وتؤكد الشركة التونسية للكهرباء والغاز أن ارتفاع درجات الحرارة والضغط الكبير على الشبكة الكهربائية يمثلان السبب الرئيسي لهذه الانقطاعات، إذ ترتفع حاجيات البلاد خلال فترات الذروة إلى أكثر من 5000 ميغاواط، في حين لا تتجاوز القدرة الإنتاجية المتوفرة حوالي 4630 ميغاواط، وهو ما يخلق فجوة بين العرض والطلب تؤدي إلى اضطرابات في التزويد بالكهرباء.



ورغم وجاهة هذا التفسير من الناحية التقنية، فإن التساؤل الأبرز يظل قائمًا: كيف تصل تونس إلى هذا الوضع، وهي من بين أكثر بلدان البحر الأبيض المتوسط تمتعًا بأشعة الشمس، في وقت أصبحت فيه الطاقة الشمسية من أقل مصادر إنتاج الكهرباء كلفة وأكثرها انتشارًا في مختلف أنحاء العالم؟



وتبرز المفارقة في أن الأزمة لا ترتبط بندرة الموارد الطبيعية أو نقص المعدات، إذ أصبحت الألواح الشمسية متوفرة بأسعار أقل مقارنة بالسنوات الماضية، كما تستورد تونس كميات كبيرة منها. فقد بلغت واردات الألواح الشمسية الصينية ما يعادل 655 ميغاواط خلال سنة واحدة، لتصنف البلاد ضمن أكبر مستوردي هذه التجهيزات في القارة الإفريقية.



ويعني ذلك أن الإمكانات المادية متوفرة، وكذلك المورد الطبيعي، إلا أن المنظومة التي يفترض أن تحول هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي للكهرباء ظلت تواجه بطئًا في الإجراءات وتعقيدات إدارية حالت دون تحقيق النتائج المرجوة بالسرعة المطلوبة.



ويعود جزء من هذا المسار إلى سنة 2015، عندما صادق البرلمان على قانون يسمح للقطاع الخاص بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، في خطوة كان يُنتظر أن تمثل بداية تحول مهم في قطاع الطاقة. غير أن تنفيذ هذا التوجه استغرق سنوات طويلة بسبب الإجراءات الإدارية والأوامر التطبيقية وطلبات العروض وإسناد التراخيص.



وبالفعل، فإن عددا من المشاريع الكبرى التي وقع اختيارها منذ سنة 2019 في ولايات مثل القيروان وسيدي بوزيد وتوزر لم تدخل مرحلة الاستغلال إلا بعد سنوات، ووصل بعضها إلى مرحلة التشغيل خلال سنتي 2025 و2026، وهو ما يعني أن الانتقال من إصدار القانون إلى تحقيق نتائج ملموسة استغرق قرابة عشر سنوات.



كما برز خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2020 و2023 ملف آخر أثار الكثير من النقاش، ويتمثل في ربط المنتجين الخواص بالشبكة الوطنية للكهرباء. فقد تعطلت عمليات ربط عدد من المشاريع بسبب خلافات مرتبطة بدور القطاع الخاص في إنتاج الكهرباء، الأمر الذي أدى إلى بقاء عدد من المشاريع المبرمجة ضمن المخطط الشمسي التونسي خارج الخدمة، في وقت واصلت فيه البلاد الاعتماد على استيراد الغاز لتغطية جزء من حاجياتها، بما يفرض مزيدًا من الضغط على المالية العمومية والعملات الأجنبية.



وفي جانب آخر من الملف، يلفت عدد من المهنيين إلى أن رفع الأداءات الديوانية على الألواح الشمسية المستوردة من 10 إلى 30 بالمائة، إضافة إلى الأداء على القيمة المضافة بنسبة 19 بالمائة، ساهم في ارتفاع كلفة الاستثمار بالنسبة إلى العائلات والمؤسسات الراغبة في إنتاج الكهرباء ذاتيًا.



ويرى هؤلاء أن هذه الإجراءات جعلت الانتقال نحو الطاقة الشمسية أكثر كلفة بالنسبة للمواطنين والمؤسسات الصغرى، كما أثرت على نشاط عدد كبير من الشركات المختصة في تركيب وصيانة هذه الأنظمة.



وتتزامن هذه التطورات مع الوضعية المالية الصعبة التي تواجهها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، والتي تعاني ضغوطًا مالية ومديونية كبيرة، في وقت تتولى فيه أدوارًا متعددة تشمل إنتاج الكهرباء وشراءها وإدارة الشبكة الوطنية، وهو ما يعتبره عدد من الخبراء عاملًا يزيد من تعقيد إصلاح القطاع، الذي يتطلب، وفق تقديرهم، قواعد واضحة تسمح بتطوير الاستثمار في الطاقات المتجددة.



ومن المفارقات التي اكتشفها عدد من المواطنين الذين ركبوا ألواحًا شمسية، أن امتلاك نظام إنتاج ذاتي لا يضمن استمرار التزويد بالكهرباء عند انقطاع التيار، لأن الأنظمة المرتبطة بالشبكة تتوقف تلقائيًا لأسباب تتعلق بالسلامة. ولذلك تُعد البطاريات المنزلية من بين الحلول التي تتيح استقلالية أكبر، غير أن الإطار القانوني المنظم لتخزين الطاقة على المستوى المنزلي لم يصدر بشكل كامل إلى الآن.



وفي المقابل، يقدم المغرب نموذجًا مختلفًا في هذا المجال، بعدما اتجه منذ سنوات إلى فتح قطاع الطاقات المتجددة أمام الاستثمار الخاص، مع إرساء منظومة مؤسساتية لتطوير المشاريع الكبرى وتسريع الإجراءات، وهو ما مكنه من رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء، بينما لا تزال تونس بعيدة عن الأهداف التي أعلنتها سابقًا، رغم امتلاكها إمكانات طبيعية مهمة.



ويؤكد خبراء في قطاع الطاقة أن الحلول متوفرة، وتتمثل أساسًا في تخفيض الرسوم المفروضة على الألواح الشمسية والبطاريات، واستكمال الإطار القانوني الخاص بتخزين الطاقة، وتقليص آجال ربط المشاريع بالشبكة، وضمان حياد إدارة الشبكة، إضافة إلى وضع استراتيجية طاقية مستقرة تشجع الاستثمار وتدعم الانتقال نحو الطاقات النظيفة.



وفي النهاية، تبقى الشمس إحدى أهم الثروات الطبيعية التي تمتلكها تونس، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر هذا المورد، بل في القدرة على تحويله إلى إنتاج فعلي يخفف الضغط على الشبكة الكهربائية ويقلص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، في وقت تظل فيه مسألة تسريع القرارات والإصلاحات من أبرز الملفات المطروحة لمواجهة أزمة الكهرباء في البلاد.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات