القائمة الرئيسية

الصفحات

🔴 لماذا تخسر تونس مهندسيها؟ الأزمة لا تتعلق بالأجور فقط… وهذه الأسباب التي تدفع الكفاءات إلى الرحيل …




لم تعد هجرة المهندسين التونسيين مجرد اختيار فردي لبعض الكفاءات الراغبة في خوض تجربة مهنية خارج البلاد، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة ملفًا يثير الكثير من التساؤلات حول قدرة تونس على الحفاظ على أحد أهم عناصرها الاستراتيجية: الكفاءات البشرية.



فوفق المعطيات التي قدّمها عميد المهندسين التونسيين محسن الغرسي، فإن نحو 42 بالمائة من المهندسين المرسمين بجدول العمادة غادروا تونس خلال العقد الأخير، أي ما يقارب 45 ألف مهندس. وهو رقم يعكس حجم التحول الذي عرفته ظاهرة الهجرة، حيث انتقلت من حالات فردية إلى نزيف متواصل يمسّ قطاعًا يُعدّ من ركائز التنمية والابتكار.



عندما تصبح الهجرة خيارًا مهنيًا



وراء قرار مغادرة البلاد تقف عدة عوامل، أبرزها الظروف المهنية والمادية التي يجدها المهندس التونسي بعد سنوات طويلة من الدراسة والتكوين.



فالمهندس حديث التخرج يدخل سوق العمل وسط تحديات كبيرة، إذ ينطلق أجره الشهري في حدود 1500 دينار، وهو مستوى تعتبره الهياكل المهنية غير قادر على منافسة ما تعرضه العديد من الأسواق الخارجية من أجور وظروف عمل أكثر جاذبية.



في المقابل، يجد المهندس التونسي خارج البلاد فرصًا توفر له إمكانيات أكبر للتطور، واستقرارًا مهنيًا أوضح، ومسارات وظيفية أكثر تنظيمًا، وهو ما يجعل الهجرة بالنسبة إلى العديد من الكفاءات قرارًا مرتبطًا ببناء مستقبل مهني أفضل.



تونس تكوّن الكفاءات… والخارج يستفيد منها



تملك تونس منظومة تكوين هندسي تتمتع بسمعة جيدة، وهو ما جعل المهندسين التونسيين محل طلب من مؤسسات أجنبية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والإعلامية والصناعة والقطاعات ذات العلاقة بالابتكار.



غير أن هذه النقطة تتحول إلى مفارقة، إذ تصبح جودة التكوين سببًا في خروج الكفاءات بدل أن تكون عنصرًا لدعم الاقتصاد الوطني.



فالدولة تستثمر سنوات في تكوين مهندس يمتلك قدرات علمية وتقنية عالية، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الكفاءات يجد نفسه في النهاية متجهًا نحو الخارج بحثًا عن ظروف تسمح له باستثمار خبرته بشكل أفضل.



الأزمة لا تتعلق بالأجور فقط



ورغم أن الجانب المادي يمثل عاملًا أساسيًا، فإن أسباب الهجرة تتجاوز مسألة الدخل لتشمل أيضًا عوامل مرتبطة بالمناخ المهني والثقة في المستقبل.



فعدد من المهندسين يربطون قرار المغادرة بضعف فرص التطور داخل بعض المؤسسات، وبطء الإصلاحات، إضافة إلى غياب مشاريع كبرى قادرة على استيعاب الكفاءات الشابة ومنحها دورًا واضحًا في مسار التنمية.



فالعديد من المهندسين لا يبحثون فقط عن راتب أفضل، بل عن بيئة عمل يشعرون فيها بأن تكوينهم وجهودهم يمكن أن تتحول إلى قيمة حقيقية وفرص للتقدم.



خسارة تتجاوز الأرقام



تكمن خطورة هجرة المهندسين في أن تأثيرها لا يقتصر على فقدان عدد من الإطارات، بل يمتد إلى قدرة تونس على تنفيذ مشاريعها ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.



فالقطاعات الحيوية مثل الرقمنة، والطاقة، والصناعة، والبنية التحتية تحتاج إلى كفاءات هندسية متخصصة، وأي نقص في هذه الموارد البشرية قد يؤثر على سرعة إنجاز المشاريع وعلى قدرة المؤسسات على المنافسة.



كما أن مغادرة المهندسين ذوي الخبرة تعني خسارة سنوات من المعرفة والتجربة التي يصعب تعويضها في وقت قصير.



هل يمكن تحويل الهجرة إلى فرصة؟



رغم حجم الكفاءات التونسية الموجودة بالخارج، فإن هذا الانتشار يمكن أن يتحول إلى فرصة إذا تم بناء علاقة جديدة معها تقوم على الشراكة والاستفادة من الخبرات.



فالعديد من المهندسين التونسيين في الخارج يمتلكون تجارب داخل شركات ومؤسسات عالمية، ويمكن أن يساهموا في نقل المعرفة، ودعم الاستثمار، وإنشاء مشاريع جديدة، إذا توفرت الظروف المناسبة.



لكن الحد من نزيف الهجرة يبقى مرتبطًا بتحسين وضعية المهندس داخل تونس، عبر توفير بيئة عمل أكثر جاذبية، وتحسين الأجور، وخلق رؤية اقتصادية تمنح الكفاءات دورًا حقيقيًا في بناء المستقبل.



إن قضية هجرة المهندسين لا تخص قطاعًا واحدًا فقط، بل ترتبط بقدرة تونس على الحفاظ على مواردها البشرية، باعتبار أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من ثروات، بل بما تستطيع الاحتفاظ به من عقول وخبرات.

تعليقات