القائمة الرئيسية

الصفحات

عااااجل / هل تجاوزت "الستاغ" أزمة انقطاع الكهرباء أم أن الخطر ما زال قائماً؟ هذا ما كشفته المعطيات الجديدة …




بعد أسبوع كامل من البلاغات المتتالية التي أعلنت من خلالها الشركة التونسية للكهرباء والغاز عن برمجة انقطاعات للكهرباء في عدد من المناطق، فوجئ التونسيون يوم السبت 25 جويلية بغياب تام لهذه الإشعارات التي أصبحت خلال الأيام الماضية جزءًا من المشهد اليومي. هذا التوقف المفاجئ أثار العديد من التساؤلات لدى المواطنين الذين عاشوا فترة من القلق بسبب تكرار الانقطاعات والضغوط التي شهدتها الشبكة الكهربائية الوطنية خلال موجة الحر الأخيرة.



فمنذ بداية الأزمة، ارتبطت نشرات الشركة بإعلانات متواصلة حول إجراءات استثنائية تهدف إلى المحافظة على استقرار المنظومة الكهربائية في ظل ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الطاقة. ولذلك، فإن اختفاء هذه البلاغات بشكل مفاجئ دفع كثيرين إلى التساؤل عمّا إذا كانت الأزمة قد انتهت فعلاً، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون فترة هدوء مؤقتة فرضتها ظروف استثنائية.



ورغم أن غياب الإشعارات قد يبدو للوهلة الأولى مؤشراً إيجابياً، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع المشاكل التي واجهت المنظومة الكهربائية خلال الأيام الماضية قد تم تجاوزها بشكل نهائي. فالأزمة لم تكن نتيجة عطل تقني منفرد يمكن إصلاحه بسرعة، بل جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل في الوقت نفسه.



ومن أبرز هذه العوامل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة الذي شهدته البلاد خلال الفترة الأخيرة، وهو ما أدى إلى زيادة استثنائية في استهلاك الكهرباء، خاصة بسبب الاستعمال المكثف لأجهزة التكييف داخل المنازل والمؤسسات. وقد تسبب هذا الضغط المتزايد في بلوغ الطلب على الطاقة مستويات قياسية وضعت الشبكة أمام تحديات كبيرة للحفاظ على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.



ويبدو أن أحد أبرز الأسباب التي قد تفسر هدوء الوضع يوم 25 جويلية يتمثل في تزامن هذا التاريخ مع عطلة رسمية بمناسبة عيد الجمهورية. ففي مثل هذه المناسبات ينخفض نشاط عدد من الإدارات والمؤسسات العمومية وبعض الوحدات الاقتصادية والصناعية، وهو ما يؤدي بشكل طبيعي إلى تراجع جزء من الطلب على الكهرباء مقارنة بالأيام العادية.



ويمنح هذا الانخفاض في الاستهلاك هامشاً إضافياً للمنظومة الكهربائية، خصوصاً خلال فترات الذروة المسائية التي تشهد عادة أعلى مستويات الطلب نتيجة تشغيل ملايين أجهزة التكييف في مختلف مناطق البلاد. غير أن هذا العامل يظل ظرفياً ومؤقتاً، إذ إن عودة النشاط الاقتصادي والإداري بشكل كامل قد تعيد الضغط على الشبكة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع جديد في درجات الحرارة.



كما لا يمكن فصل تطورات الوضع الكهربائي عن العامل المناخي الذي كان في صلب الأزمة خلال الأيام الأخيرة. فمع تسجيل تراجع نسبي في درجات الحرارة مقارنة بذروة موجة الحر، انخفض الطلب على الكهرباء بشكل نسبي، حتى وإن ظل الطقس حاراً في عدد من المناطق. وفي منظومة إنتاج تعمل بهوامش محدودة، يمكن لأي انخفاض ولو بسيط في الاستهلاك أن يساهم في تخفيف الضغط وتجنب اللجوء إلى إجراءات استثنائية مثل القطع المبرمج للكهرباء.



وفي المقابل، يظل التساؤل مطروحاً حول ما إذا كانت الشركة التونسية للكهرباء والغاز قد نجحت خلال الفترة الماضية في اتخاذ إجراءات إضافية ساعدت على استقرار الوضع. لكن من الصعب الجزم بأن توقف الإشعارات يعني حل المشاكل الهيكلية أو إضافة قدرات إنتاج جديدة في فترة وجيزة، خاصة أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار والتنفيذ.



والأقرب إلى الواقع أن الشركة تمكنت من تحقيق توازن مؤقت بين الإنتاج والاستهلاك، سواء عبر تحسين إدارة الأحمال، أو استعادة جاهزية بعض الوحدات الإنتاجية، أو الاستفادة من تراجع الطلب خلال الأيام الأخيرة. إلا أن ذلك لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية التي أعادت الأزمة طرحها بقوة هذا الصيف، والمتعلقة بمدى قدرة المنظومة الكهربائية الوطنية على مواجهة موجات الحر المتكررة مستقبلاً.



كما أن توقف نشر الإشعارات دون تقديم توضيحات مفصلة للرأي العام فتح باباً جديداً للنقاش حول أهمية التواصل والشفافية في مثل هذه الظروف. فالمواطن الذي تابع يومياً أخبار الانقطاعات والإجراءات الاستثنائية يحتاج إلى معرفة حقيقة الوضع وما إذا كانت المنظومة قد استعادت استقرارها بالفعل أم أن الأمر لا يتجاوز فترة هدوء مؤقتة.



وفي مثل هذه الأزمات، لا تقتصر أهمية الإدارة الناجحة على ضمان استمرارية التزويد بالكهرباء فحسب، بل تشمل أيضاً توفير المعلومة الدقيقة وفي الوقت المناسب، بما يساعد على طمأنة المواطنين والحد من انتشار الإشاعات والتأويلات.



وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي على وضع الشبكة الكهربائية مرتبطاً بالأيام والأسابيع القادمة، خاصة مع استمرار فصل الصيف وعودة النشاط الاقتصادي الكامل. فتوقف الإشعارات يوم 25 جويلية قد يمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن الوضع، لكنه لا يشكل دليلاً قاطعاً على نهاية الأزمة بشكل نهائي. وبين التفاؤل والحذر، يظل السؤال مطروحاً: هل تجاوزت "الستاغ" بالفعل أصعب مراحل الأزمة، أم أن ما تعيشه البلاد اليوم ليس سوى هدنة كهربائية مؤقتة قبل اختبار جديد تفرضه حرارة الصيف؟

تعليقات