تونس تستعد هذه الفترة لانطلاق واحد من أهم المواسم الفلاحية في السنة، موسم الزيتون، اللي يُعتبر “الذهب الأخضر” بالنسبة للتوانسة. موسم ما هوش عادي، لا من حيث قيمته الاقتصادية، ولا من حيث رمزيته في حياة آلاف العائلات اللي تعتمد عليه كمصدر رزق أساسي.
السنة هذه، كل المؤشرات تشير إلى أنّ الصابة ستكون طيبة جدًا، وقد تصل — حسب التقديرات الأولية — إلى حوالي 500 ألف طن من الزيت، وهي كمية مهمة جدًا مقارنة بالسنوات الأخيرة. لكن رغم هذا التفاؤل، برزت في المقابل تخوفات حقيقية من بعض القرارات اللي اعتبرها الفلاحون “غير في محلّها”، وخاصة الترفيع في كلفة عصر الزيت من 210 إلى 250 مليم للكيلوغرام الواحد.
المهندس الفلاحي عمار بن قايد، العضو السابق في الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري، قدّم في مداخلة إذاعية على راديو الديوان قراءة دقيقة للمشهد الحالي، وقال إنّ موسم صب الزيتون هو أكثر من مجرّد حدث فلاحي، بل هو عنصر أساسي في الدورة الاقتصادية للبلاد، لما له من تأثير مباشر على الفلاحين، والمستهلكين، وحتى على الصادرات الوطنية.
وبيّن أنّ تونس، رغم خبرتها الطويلة في قطاع الزيت، مازالت تعيش حالة من الارتباك التنظيمي في عملية التسويق والتصرف في الإنتاج. فبعد ما تمّ تحويل إدارة “ديوان الزيت” إلى القطاع الخاص في منتصف التسعينات، فقدت المنظومة توازنها الطبيعي، وأصبح السوق خاضعًا أكثر للمضاربة والعرض والطلب العشوائي، دون وجود جهة قادرة على التنظيم أو المراقبة الفعالة.
وأضاف أنّ هذا الخلل كان عنده تأثير مباشر على الأسعار، اللي ولات تتقلّب من موسم إلى آخر بشكل كبير، وأحيانًا دون سبب منطقي واضح، ما خلق حالة من عدم الاستقرار عند الفلاحين، اللي يلقاو رواحهم كل عام تحت ضغط المصاريف والديون، خاصة وقت اللي تكون الصابة وافرة لكن الأسعار منخفضة.
من جهة أخرى، أشار بن قايد إلى أنّ المجلس الدولي للزيتون أعلن مؤخرًا أن الطلب العالمي على زيت الزيتون يفوق العرض بحوالي 10%، وهو رقم مهم جدًا يعطي إشارات إيجابية لتونس، لأنّه يعني أن الأسعار مرشحة للارتفاع على المستوى الدولي. ووفق تقديراته، فإن السعر التقريبي للكيلوغرام الواحد من الزيت عند الإنتاج قد يبلغ حوالي 14 دينارًا، وهو ما يمكن أن ينعش القطاع إذا تمّ التعامل معه بذكاء وتنظيم.
لكن باش نضمنوا موسم ناجح، حسب رأي المهندس، لازم الدولة تتحرك مبكرًا وتعلن عن منح التخزين من الآن، حتى تساعد الفلاحين على تمويل موسمهم وتمنعهم من التفريط في الزيت بأسعار متدنية مباشرة بعد الصب. التخزين المنظم، حسب تعبيره، هو “السلاح السري” لحماية المنتوج وضمان جودة الزيت، خاصة أنّ الزيتون حساس جدًا للحرارة ولظروف العصر والتخزين.
ولم يكتفِ بن قايد بالإشارة إلى الجانب الاقتصادي فقط، بل شدّد كذلك على أهمية إعادة هيكلة ديوان الزيت الوطني ومنحه مرونة أكبر في الإدارة والتسويق، مع ضرورة مراقبة الأسعار العالمية بشكل دوري، لتفادي أي هزّات في السوق المحلي. كما دعا إلى تشكيل لجنة وطنية من الخبراء والفلاحين تكون مهمتها متابعة تطور الموسم لحظة بلحظة، ومساعدة صغار الفلاحين على تجاوز الصعوبات التقنية والمالية.
أما فيما يخص الاستهلاك المحلي، فأوضح أنّ التونسي مازال يستهلك كميات أقل بكثير من المعدل العالمي، رغم أنّ تونس من أكبر المنتجين. والسبب، حسب رأيه، هو ضعف القدرة الشرائية من جهة، ونقص الثقافة الغذائية المرتبطة بزيت الزيتون من جهة أخرى، مضيفًا:
“زيت الزيتون ما لازمش يكون منتوج فاخر، بل جزء من المائدة اليومية، كيف الخبز والماء”.
وفي ختام حديثه، عبّر بن قايد عن أمله الكبير في أن يكون موسم 2025-2026 نقطة تحول إيجابية، شريطة أن يتعاون الجميع: الفلاح، والدولة، والمهندس، والمستهلك. وقال إنّ “الزيت التونسي ما هوش مجرد سلعة، هو هوية وثروة وطنية لازم نحافظوا عليها بكل الوسائل”.
وختم برسالة واضحة موجّهة للسلطات:
“ما نحبوش موسم صبّ الزيتون يكون فرحة ناقصة للفلاح، يلزم تكون السياسات داعمة، مش مثبطة… خاطر الزيتون هو اللي يعيش به جزء كبير من الشعب”.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق