في الأيام الأخيرة، انتشر خبر مثير على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام، يقول إنّ تونس تمكّنت من سداد 125% من ديونها الخارجية المبرمجة لسنة 2025.
الخبر أثار موجة كبيرة من الجدل والتساؤلات:
كيف يمكن لدولة أن تسدّد أكثر مما عليها؟ وهل فعلاً تونس أصبحت بهذه القوة المالية حتى تدفع أكثر من المطلوب منها؟
هل اكتشفت البلاد فجأة “كنزًا” يجعلها سخية بهذا الشكل؟
الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي قرّر التدخّل لتوضيح الصورة وتصحيح ما وصفه بـ"الخطأ الفادح" في طريقة عرض الأرقام، مؤكدًا أن الحديث عن تسديد 125% من الديون لا يستقيم منطقيًا ولا اقتصاديًا، وأنّ الخبر الذي تمّ تداوله مبالغ فيه وغير دقيق.
❖ كيف بدأ سوء الفهم؟
يقول الشكندالي إنّ وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات) نشرت خبرًا استندت فيه إلى أرقام منشورة على موقع البنك المركزي التونسي، تشير إلى أنّ قيمة خدمة الدين الخارجي إلى حدود نهاية سبتمبر بلغت 10,549.2 مليون دينار، أي ما يعادل 125% من التزامات تونس للسنة الجارية.
لكن حسب الخبير، هذا الرقم لا يعني ما فهمه البعض، لأنّ وكالة الأنباء قارنت بين معطيين غير متكافئين.
وأوضح الشكندالي أنّ الرقم الذي ورد في موقع البنك المركزي لا يخص الدولة فقط، بل يشمل كلّ الفاعلين الاقتصاديين: الدولة، البنك المركزي، البنوك العمومية والخاصة، والمؤسسات الخاصة.
أي أنّه يمثل خدمة الدين الخارجي لكامل الاقتصاد التونسي، وليس لخزينة الدولة وحدها.
بكلمات أبسط: الدولة ليست وحدها من تسدّد ديونًا للخارج، بل هناك مؤسسات وبنوك أيضًا لها التزاماتها الخاصة.
لذلك فإنّ القول إنّ تونس (أي الدولة) سدّدت 125% من ديونها، هو خطأ ناتج عن مقارنة رقم عامّ يخص كل الفاعلين، برقم خاص بالدولة فقط.
❖ الأرقام الحقيقية حسب الشكندالي
الخبير أوضح أنّ تونس سددت إلى الآن كامل خدمة الدين الخارجي المبرمجة في ميزانيتها لسنة 2025، ولم يتبقَّ سوى قسط وحيد بقيمة 258 مليون دينار يخصّ قرضًا من البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد تحصلت عليه الدولة سنة 2022، وسيتمّ دفعه خلال شهر ديسمبر القادم.
كما ستقوم خلال شهر أكتوبر الحالي بتسديد قسط آخر بقيمة 256 مليون دينار من القروض القديمة التي حصلت عليها من صندوق النقد الدولي بين 2016 و2019.
هذه الأرقام، وفق الشكندالي، تُظهر بوضوح أنّ تونس ملتزمة بسداد ديونها كما هو مبرمج، دون أي تجاوز أو “سخاء” غير منطقي.
فالفارق بين ما تمّ دفعه فعلاً وما هو مبرمج لا يتجاوز 1.5% فقط، أي نسبة قريبة جدًّا من 100%، وليس 125% كما تمّ تداوله.
❖ أين وقع الخطأ بالضبط؟
الشكندالي بيّن أنّ الخطأ الأوّل تمثّل في مقارنة مجموع خدمة الدين الخارجي (الذي يشمل كلّ الفاعلين الاقتصاديين) بمجموع أصل الدين العمومي (الذي يخصّ الدولة فقط).
وبالتالي، فإنّ نتيجة هذه المقارنة الخاطئة أعطت نسبة مرتفعة 125%، بينما النسبة الصحيحة، إذا قورنت الأرقام ضمن نفس الإطار، لا تتجاوز 101.5%.
أما الخطأ الثاني، فيعود إلى سوء فهم لمفهوم "خدمة الدين".
فالكثير يخلط بين “أصل الدين” (المبلغ الأساسي المقترض) و“خدمة الدين” (الأصل + الفوائد).
في حين أنّ المقارنة الصحيحة يجب أن تكون بين خدمتين من نفس النوع وليس بين أصل وخدمة.
وهذا ما جعل النتيجة النهائية غير واقعية.
كما أشار الخبير إلى وجود لبس آخر في بعض الصفحات على مواقع التواصل، التي ربطت بين مداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج وبين أرقام تسديد الديون، معتبرة أنّ هذه المداخيل هي سبب “الوفرة” التي مكّنت تونس من السداد الزائد.
لكن هذا التبرير، حسب الشكندالي، غير صحيح إطلاقًا، لأنّ تلك المداخيل تدخل في احتياطي العملة الصعبة وليس مباشرة في حساب سداد الديون.
❖ رسالة واضحة للإعلام الرسمي
وفي لهجة نقدية واضحة، دعا الشكندالي وكالة تونس إفريقيا للأنباء إلى مزيد من الحذر عند نشر المعطيات الاقتصادية، خاصة تلك المتعلّقة بالديون، لما لها من تأثير مباشر على صورة تونس في الخارج وعلى ثقة المواطن في الداخل.
وقال: “من الضروري أن تستعين الوكالة بخبراء ومستشارين اقتصاديين قبل نشر مثل هذه الأخبار، لأنّ فقدان المصداقية في وكالة رسمية يُعدّ خسارة كبيرة للإعلام الوطني”.
❖ رغم كل شيء… مؤشرات إيجابية
في المقابل، أكّد الشكندالي أنّ هناك بعض المؤشرات الإيجابية التي لا يمكن إنكارها.
فبحسب البنك الدولي، تمّ تحيين التوقعات الخاصة بالنموّ الاقتصادي في تونس، حيث رُفعت من 1.9% إلى 2.6% بفضل الأداء الجيّد في الثلاثي الثاني من العام، إذ سجّلت تونس نموًّا بلغ 3.2%، وهو رقم فاق التوقّعات وأعطى بعض الأمل في تعافٍ تدريجي للاقتصاد الوطني.
وختم الشكندالي حديثه بالقول:
"البلاد ليست في وضع ممتاز، لكنها تسير بخطوات صغيرة في الاتجاه الصحيح… المهم أن نحافظ على الدقّة والمصداقية في الأرقام، لأنها رأس مالنا الحقيقي.”
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق