عاشت مدينة قابس في ساعات متأخرة من ليلة البارحة أجواء مشحونة بالتوتر بعد أن شهدت أعمال شغب وتخريب استهدفت المقر الجهوي للمجمع الكيميائي التونسي.
الاحتجاجات التي كانت في بدايتها سلمية ومطالبة ببيئة نظيفة، تحوّلت فجأة إلى تحركات عنيفة بعد تسلل مجموعة من الأشخاص المجهولين وسط المحتجين.
حسب شهادات من عين المكان ومقاطع فيديو تداولها رواد مواقع التواصل، فقد تمّ رصد أشخاص يوزّعون أموالًا على بعض الشبان والمراهقين في محاولة لدفعهم إلى افتعال الفوضى وإشعال النيران داخل محيط المجمع الكيميائي.
وأكد عدد من الناشطين البيئيين أنّ هؤلاء "المندسين" لا علاقة لهم بالحراك الحقيقي لأهالي قابس، معتبرين أنّ ما حصل كان محاولة واضحة لتشويه التحركات السلمية واستغلالها سياسيًا من قبل أطراف تسعى لتأجيج الأوضاع.
وقال بعض شباب قابس الذين يقودون التحرك البيئي، إنّهم يتبرؤون تمامًا من أعمال التخريب التي حصلت، مؤكدين أنّ احتجاجهم سلمي وعفوي، هدفه الوحيد الدفاع عن حق الجهة في العيش في بيئة نظيفة وآمنة، بعيدة عن كل أنواع التلوث الذي خنق المدينة منذ عقود.
وطالبوا السلطات بعدم الخلط بين من خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة، وبين من استُعملوا لإحداث الفوضى.
من جانبهم، عبّر أعضاء المجلس المحلي للشباب في قابس عن رفضهم التام لأي محاولات لتشويه تحركات الأهالي، مؤكدين أنّ المطالب البيئية مشروعة وأنّ المدينة تحتاج حلولًا جذرية، لا مواجهات ولا حرائق.
ودعا المجلس إلى الحفاظ على سلمية التحركات وعدم الانجرار وراء دعوات التحريض والتخريب التي لا تخدم مصلحة أحد.
أما على الصعيد الرسمي، فقد تابع رئيس الجمهورية قيس سعيّد الوضع عن كثب منذ مساء البارحة، وأعطى تعليماته العاجلة للحكومة للتحرّك الفوري ومعالجة الأزمة.
وقد استقبل سعيّد في قصر قرطاج كلًّا من وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة فاطمة ثابت شيبوب ووزير البيئة حبيب عبيد، وطلب منهما إرسال فريق مشترك إلى قابس لمعاينة المجمع الكيميائي على عين المكان وإصلاح الإخلالات في أقرب وقت ممكن.
وخلال اللقاء، شدّد رئيس الدولة على أنّ ما يحصل في قابس أمر غير مقبول ولا يمكن السكوت عنه، مؤكدًا أنّه سيتمّ محاسبة كلّ من قصّر أو أخلّ بواجباته سواء في عمليات الصيانة أو في مراقبة التجهيزات التي تسببت في تسرّبات غازية خطيرة أثّرت على صحة المواطنين.
كما دعا إلى إعداد خطة استراتيجية شاملة لإنهاء الكارثة البيئية في قابس، تكون مستوحاة من المقترحات التي قدّمها شباب الجهة منذ سنوات، مؤكدًا أنّ الدولة عازمة على إنقاذ المدينة واسترجاع توازنها البيئي.
وتعيش قابس منذ أكثر من ثلاثين سنة على وقع تدهور بيئي خطير بسبب نشاطات المجمع الكيميائي الذي تسبب في تلوث المياه والهواء والبحر، مما انعكس سلبًا على صحة الآلاف من السكان، وخصوصًا الأطفال.
وقد كانت حالات الاختناق الأخيرة بين التلاميذ بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وجعلت الأهالي يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بحلول حقيقية لا وعود.
وفي ختام كلمته، أكد رئيس الجمهورية أنّ قابس ليست وحدها، وأنّ أهلها سيجدون الدعم الكامل من الدولة، مشيرًا إلى أنّ “أبناء قابس هم الثروة الحقيقية لتونس، وهم السدّ المنيع في وجه كل محاولات التخريب أو التوظيف”.
وأضاف أنّ الهدف هو بناء "تونس الخضراء"، تونس خالية من التلوث ومن كلّ من يريد المتاجرة بمعاناة الناس.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق