في مشهد صادم هزّ الثقة في واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في البلاد، كشفت الأبحاث القضائية عن قضية خيانة أمانة داخل أسوار العدالة نفسها. القضية تتعلق بعون سجون كان من المفترض أن يكون حارسًا للمحجوزات، فإذا به يتحول إلى متّهم بسرقة مواد مخدّرة محجوزة داخل مستودع الأدلة القضائية بالمحكمة الابتدائية بتونس.
تعود تفاصيل الحادثة إلى شهر أوت 2025، حين لاحظت لجنة تفقد إداري بالمحكمة وجود اختلافات غريبة في كميات بعض المواد المحجوزة داخل غرفة الأدلة القضائية. في البداية، بدت الملاحظة بسيطة: نقص طفيف في مادة “القنب الهندي”. لكن التدقيق كشف مفاجأة مدوّية… النقص لم يكن عشوائيًا، بل ممنهجًا ومدروسًا.
عند مقارنة محاضر الحجز الرسمية بالكميات الموجودة فعليًا، اكتشفت اللجنة أن عدة كيلوغرامات قد اختفت بالكامل. النيابة العمومية تحرّكت بسرعة وقررت تشكيل لجنة مشتركة بين الشرطة العدلية ووحدة مكافحة الفساد الإداري بوزارة العدل لكشف الحقيقة.
خلال التحريات، تبيّن أن الدخول إلى غرفة المحجوز لا يتم إلا بإذن خاص، ومع ذلك، أظهرت تسجيلات الكاميرات أن أحد أعوان السجون، برتبة “رقيب أوّل”، كان يدخل الغرفة عدة مرات خارج أوقات العمل الرسمية بحجة “تفقد الأقفال” أو “تنظيف المكان”. لكن المفاجأة الأكبر كانت أن بعض التسجيلات تم حذفها يدويًا… ما أثار مزيدًا من الشكوك حوله.
بإذن من النيابة العمومية، تمّت مداهمة منزل العون بمنطقة المروج، وهناك كانت الصدمة الكبرى: العثور على مبلغ مالي كبير يفوق 120 ألف دينار نقدًا، وكميات صغيرة من المخدرات، إضافة إلى أقراص مخدّرة وأدلة رقمية تُثبت اتصالاته بتجار معروفين في سوق المخدرات.
زملاؤه في السجن رفضوا في البداية تصديق ما حصل. فالرجل كان معروفًا بانضباطه، وكان يلقي محاضرات عن مخاطر الإدمان داخل السجون. لكن خلف هذا الوجه الهادئ، كانت هناك ديون متراكمة وأزمة مالية خانقة دفعته إلى السقوط في فخّ الجريمة.
التحقيقات أكدت أنه كان يتعامل مع شبكة لترويج المخدرات تنشط بين أحياء العاصمة وسوسة، وكان يزوّدهم بكميات صغيرة مقابل عمولات مالية.
بعد أشهر من التحقيقات، مثل العون المتهم أمام قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس. في البداية أنكر كل التهم، مدعيًا أن الأموال تعود إلى “مدخرات عائلية”، وأن المخدرات التي وُجدت بمنزله “ليست من نوع تلك المحجوزة”.
لكن تحاليل المعهد الوطني للطب الشرعي أكدت تطابق المواد مع العينات المفقودة من ملفين قضائيين يعودان إلى سنتي 2023 و2024. عندها انهار العون جزئيًا واعترف بأنه “أخذ جزءًا صغيرًا فقط لتجربته”! وهو ما زاد من غضب النيابة العمومية التي طالبت بأقصى العقوبة.
وفي النهاية، أصدرت الدائرة الجنائية حكمها بالسجن 8 سنوات و3 أشهر مع غرامة مالية رمزية وتعويض رمزي للدولة، معتبرة أن الجريمة تمثل خيانة مزدوجة: خيانة للواجب المهني وخيانة لثقة المجتمع.
لم تمرّ القضية مرور الكرام. فقد دفعت وزارة العدل إلى إصدار تعليمات جديدة لتشديد الرقابة على المحجوزات وتحديث أنظمة التتبع الإلكترونية بالمحاكم، وفتح تحقيق إداري شامل في جميع المستودعات القضائية بالبلاد.
ورغم سوداوية الحادثة، إلا أن الجانب المضيء فيها أن العدالة حاكمت أحد أبنائها دون تردد، وأثبتت أن القانون فوق الجميع.
كما قال أحد القضاة تعليقًا على الحكم: “قد يخطئ الإنسان، لكن العدالة لا تخطئ حين تحاسب”.
في النهاية، قد تكون هذه القضية تذكيرًا صارمًا بأن “الخيـانة مهما طال وقتها… لا بد أن تُفضح يومًا ما”.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق