في ساعة متأخّرة من ليلة أمس الثلاثاء 21 أكتوبر 2025، احتضن قصر قرطاج لقاءً مطوّلًا بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ووزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّ الدين بن الشيخ. لقاءٌ جاء في توقيت دقيق، بعد موسم فلاحي يُوصف بالتاريخي من حيث الإنتاج، ولكن أيضًا وسط جدل أثارته بعض التصريحات والبلاغات التي مسّت من صورة تونس في الخارج.
بدأ رئيس الجمهورية حديثه بالعودة إلى واحدة من أندر السنوات التي عرفتها تونس في مجال الإنتاج الفلاحي، حيث شهدت البلاد، بعد سنوات من الجفاف والعطش، نزول كميات وافرة من الأمطار أنعشت الأرض وأعادت الأمل إلى آلاف الفلاحين في مختلف الجهات.
وأشار إلى أن هذه الأمطار كانت هدية ثمينة أعادت الحياة للحقول والواحات، فكانت النتيجة صابة قياسية في التمور، القمح، وزيت الزيتون، إلى جانب تحسّن ملحوظ في عدد من الزراعات الأخرى.
الرئيس لم يخفِ ارتياحه لهذه النتائج، واعتبر أن هذه الوفرة تمثّل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للفلاحة التونسية، ليس فقط كمصدر غذاء، بل كركيزة من ركائز السيادة الوطنية.
وأكّد في هذا السياق أنّ الأمن الغذائي هو الأساس الذي تُبنى عليه استقلالية القرار الوطني، وأن الدولة يجب أن تظلّ إلى جانب الفلاح في كل الظروف، وخاصة صغار الفلاحين الذين يشكّلون النواة الصلبة للقطاع.
وخلال اللقاء، تطرّق سعيّد إلى بلاغ وُصف بغير المسؤول، تم تداوله مؤخرًا، وقال إنّه لا يمكن السكوت عن مثل هذه التصرفات التي تمسّ من صورة تونس ومن علاقاتها مع الدول الشقيقة. وأضاف بلهجة حازمة:
“أشقاؤنا يبقون دائمًا أشقاؤنا، فكيف يُقصي الشقيق شقيقه، حتى وإن اختلفا في المقاربات أو المواقف؟ اختياراتنا نحدّدها نحن بأنفسنا، ولا نقبل أن يتدخّل فيها أحد، ولكن روابط الأخوّة والقربى هي قدرنا المشترك وتاريخنا الطويل، في إطار الاحترام المتبادل.”
ثم انتقل الحديث إلى موضوع زيت الزيتون، الذي يُعدّ أحد أبرز ثروات تونس الطبيعية ورمزًا من رموز جودتها الزراعية.
وأكّد رئيس الجمهورية أنّه رغم الصابة الممتازة هذه السنة، فإنّ ديوان الزيت لم يواكب التطوّرات في طاقة التخزين كما كان متوقّعًا، مشيرًا إلى أنّ هذه المؤسسة وغيرها من الدواوين العمومية يجب أن تستعيد دورها الحيوي الذي أُنشئت من أجله، بدل الاكتفاء بأدوار محدودة لا تواكب حاجات السوق الوطنية ولا طموحات الفلاحين.
وشدّد سعيّد على ضرورة أن تتحرّك كلّ أجهزة الدولة بسرعة لدعم الفلاحين الصغار في عملية العصر والتخزين وتسهيل حصولهم على القروض الميسّرة، حتى لا تذهب جهودهم سدى. كما دعا إلى أن تُبذل جهود حقيقية لفتح أسواق جديدة للمنتجات التونسية، سواء في أوروبا أو في مناطق بعيدة مثل أمريكا اللاتينية وآسيا، حيث أبدت عديد الدول استعدادها لتوريد زيت الزيتون التونسي والتمور ذات الجودة العالية.
ولم يكتف الرئيس بالحديث عن التصدير فقط، بل شدّد على أهمية تعليب الزيت التونسي داخل البلاد، معتبرًا أنّه من غير المقبول أن يُصدَّر زيتنا خامًا ليُباع لاحقًا بأسماء أجنبية. وقال:
“زيت الزيتون التونسي يجب أن يُعرف في العالم كما هو، بزيت بلادنا ورمزها، تحت راية وطننا.”
وختم رئيس الجمهورية اللقاء بالتأكيد على أنّ هذه المرحلة تتطلّب تضافر الجهود بين الدولة والفلاحين والمنظمات والهياكل المعنية، لأن تونس تمتلك ما يكفي من الإمكانيات لتكون قوة فلاحية في المتوسط، شرط أن تُدار ثرواتها بالعقل، وأن توضع مصلحة الفلاح والمواطن قبل كل اعتبار.
بهذا اللقاء، أرسل سعيّد أكثر من رسالة: رسالة دعم للفلاحين، ورسالة وضوح في السياسة الخارجية، ورسالة تحدٍّ بأن تونس قادرة على تحقيق أمنها الغذائي والسيادي بفضل سواعد أبنائها.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق