كاد أن يغادر البلاد في هدوء… حقيبته جاهزة، وتذكرته نحو دبي بيده، لكن ما لم يتوقّعه هو أنّ الأمن كان في انتظاره منذ لحظة وصوله إلى مطار تونس قرطاج.
في مشهد بدا أقرب إلى فيلم بوليسي، تمكنت الوحدات الأمنية من إحباط محاولة فرار رجل الأعمال المعروف كريم ميلاد، الذي يُعتبر من بين أبرز الأسماء المتورّطة في ملفات فساد كبرى هزّت الرأي العام التونسي خلال السنوات الأخيرة.
وفق المعطيات الرسمية، حاول ميلاد مغادرة تونس في رحلة متجهة إلى دبي، غير أنّ التفطّن السريع من قبل السلطات الأمنية أوقف مخططه في آخر لحظة، بعد أن تبيّن أنّه مطلوب في ثلاث قضايا ضخمة ما تزال محلّ تتبّع وتحقيق متقدّم لدى الجهات القضائية المختصة.
الملف الأول: “مارينا قمرت” و600 مليار من أموال التوانسة
القضية الأولى التي تلاحق المتهم تُعرف باسم ملف “مارينا قمرت”، وهو مشروع كان من المفترض أن يكون ميناءً سياحيًا وتنمويًا من شأنه أن يخلق فرص عمل ويُنعش الاقتصاد المحلي، لكنّه تحوّل مع مرور الوقت إلى واحدة من أكبر عمليات المضاربة العقارية في تاريخ تونس.
فقد تمّ تغيير وجهة المشروع الأصلية بطريقة مشبوهة، وتحويل مساحات ضخمة من الملك العمومي البحري والغابات إلى أراضٍ خاصة تمّ استغلالها في مشاريع عقارية مربحة.
تقدّر قيمة الخسائر التي لحقت بالمجموعة الوطنية نتيجة هذه العملية بـ حوالي 600 مليار من المليمات، استفاد منها عدد محدود من رجال الأعمال من بينهم كريم ميلاد، جمال العارم، وسليم شيبوب، الذين يُشتبه في أنّهم استغلّوا نفوذهم وعلاقاتهم للحصول على امتيازات بطرق غير قانونية.
الملف الثاني: شركة الطيران الخاصة “نَفْلَار”
أما الملف الثاني فيخصّ شركة الطيران الخاصة “نفلار”، والتي وُجّهت إليها اتهامات بالحصول على امتيازات مالية وخدمات عمومية دون وجه حق.
تشير التحقيقات إلى أنّ الشركة استفادت من خدمات ومزايا ضخمة من ديوان الطيران المدني وشركة “تونيسار” دون أن تدفع المقابل المطلوب أو أن تستوفي الشروط القانونية لذلك.
الهدف الخفي، حسب الوثائق التي بين أيدي المحققين، كان إدخال صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، سليم شيبوب، كشريك في رأس المال دون أي مساهمة مالية، إضافة إلى بلحسن الطرابلسي، ما يجعل الملف يتجاوز الجانب المالي ليتحوّل إلى شبكة فساد متشعبة تمتد بين المال والسياسة والنفوذ.
الأبحاث متواصلة… وتساؤلات حول الأسماء القادمة
هذه التطورات الجديدة وضعت السلطات التونسية أمام ملف ثقيل ومعقّد، خاصة وأنّ التحقيقات في القضايا الثلاث بلغت مراحل متقدمة.
مصادر مطلعة أكدت أن التحقيقات قد تشمل شخصيات أخرى كانت على علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الملفات، ما يعني أن ملف الفساد المالي والإداري في تونس مازال يحمل الكثير من المفاجآت في الأيام القادمة.
وتُعدّ عملية منع كريم ميلاد من السفر رسالة قوية من السلطات الأمنية والقضائية بأنّ زمن الإفلات من العقاب قد يكون فعلاً في طريقه إلى النهاية، وأنّ التحقيقات لن تستثني أيّ شخص مهما كان موقعه أو نفوذه.
في المقابل، ينتظر الرأي العام ما ستسفر عنه الأبحاث القضائية، خاصة وأنّ القضية أصبحت تمسّ بشكل مباشر أموال المجموعة الوطنية ومصداقية مؤسسات الدولة في مكافحة الفساد، وهو ما يجعل الشارع التونسي يترقّب بحذر كلّ جديد في هذا الملف.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق