عاشت ولاية قابس خلال الساعات الماضية واحدة من أكثر الليالي توتّرًا منذ فترة طويلة. احتجاجات، مواجهات، أصوات مرتفعة، حالة من الغليان في الشوارع… لكن ما خفي كان أخطر مما ظهر.
القصة بدأت مساء البارحة، عندما خرج عدد من المواطنين في تحركات احتجاجية سلمية للتعبير عن غضبهم من الأوضاع البيئية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها الجهة منذ سنوات.
الاحتجاجات كانت في البداية هادئة ومنظّمة، لكن سرعان ما تحوّلت الأجواء إلى حالة من الكرّ والفرّ بين بعض المحتجين ووحدات الأمن.
تطوّر الموقف بسرعة، واندلعت مواجهات في عدد من الأحياء، ما أدى إلى إصابة أكثر من 60 عون أمن بجروح متفاوتة الخطورة، حسب ما أكدته مصادر أمنية.
الأمن، من جهته، أوضح أنّ تدخّله جاء للدفاع عن نفسه وحماية الممتلكات العامة والخاصة، خصوصًا بعد أن بدأ بعض المحتجين في إشعال الإطارات ومحاولة الاقتراب من بعض المنشآت الحساسة.
لكن ما لم يكن في الحسبان، هو أن جزءًا مما حدث لم يكن نابعًا من أبناء قابس أنفسهم.
مع حلول صباح اليوم، كشفت مصادر أمنية أنّ وحدات مختصة نجحت في إيقاف مجموعة ثانية من الأشخاص المندسين داخل المدينة، ليسوا من متساكني قابس، وكانوا يقيمون في منزل معدّ للكراء.
التحريات الأولية بيّنت أنّ هؤلاء الأشخاص كانوا يوزّعون أموالًا على عدد من القُصّر والشبان لتحريضهم على مواصلة الاحتجاجات والتصعيد، خاصة في ساعات الليل، لإثارة الفوضى وتعطيل السير العادي للحياة.
المصادر نفسها أكدت أنّ الموقوفين، وعددهم تسعة أشخاص من بينهم امرأة، متورطون في أعمال تحريض وشغب، وربما على علاقة بمحاولات حرق بعض المرافق داخل المدينة.
ويأتي هذا بعد أيام قليلة من حادثة حرق الإدارة العامة للمجمع الكيميائي بقابس، والتي تسببت في خسائر كبيرة وأثارت غضب السكان.
هذه التطورات دفعت النيابة العمومية إلى التحرك بسرعة وفتح تحقيق فوري لمعرفة الجهة التي تقف وراء هؤلاء المندسين، والغاية من ضخّ الأموال وتحريك الشبان نحو الفوضى.
وبينما تتواصل التحقيقات، تتصاعد التساؤلات بين المواطنين:
من هؤلاء الغرباء؟ ومن أرسلهم إلى قابس؟ ولماذا اختاروا هذه اللحظة بالذات لإشعال الفوضى؟
الإعلامي رياض جراد كان من بين أوائل الذين علّقوا على الأحداث، وقال في تصريح إعلامي إنّ:
“الحق في التظاهر مكفول لكل تونسي، لكن النوايا هي التي تحدّد الفرق بين من يحتجّ بصدق وبين من يُستَعمَل لإشعال الفتنة. من يتظاهر نهارًا في وضوح الشمس سلميًّا يجد التضامن، أمّا من يتحرك ليلًا ويقبل المال مقابل التخريب، فلا علاقة له بالنضال”.
وأضاف أنّ هناك مؤشرات جدية حول وجود مخططات تستهدف منشآت حيوية وربما تسعى إلى تفجير أو حرق المجمع الكيميائي، معتبرًا أن الوضع يتطلّب وعيًا جماعيًا حتى لا تُستَغلّ معاناة الأهالي في أجندات مشبوهة.
أهالي قابس، من جهتهم، عبّروا عن استيائهم من محاولات تسييس أو توظيف احتجاجاتهم، مؤكدين أنهم خرجوا للمطالبة بحقوقهم في بيئة نظيفة وحياة كريمة، لا للفوضى ولا للتخريب.
كثير منهم دعا الدولة إلى التدخّل العاجل ووضع حدّ لكل من يحاول تأجيج الوضع أو إثارة الشباب القاصر بالمال.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات خلال الأيام القادمة، تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة الآن أنّ قابس كانت على فوهة بركان، وأنّ ما حدث لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل إنّ وراءه أطرافًا قد يكون لها أهداف أخطر وأبعد مما يبدو للعيان.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق