شهدت الساحة الوطنية في الأيام الأخيرة بروز مبادرة مدنية جديدة أثارت جدلا واسعا، بعد أن تقدّمت مجموعة من جمعيات المجتمع المدني المهتمة بشؤون الطفولة والأسرة بمقترح لتعديل بعض أحكام قانون الأحوال الشخصية، وذلك بالتنسيق مع عدد من النواب الذين عبّروا عن دعمهم لهذه الخطوة.
المقترح الجديد يركّز أساسا على إعادة النظر في الإجراءات المتعلقة بالطلاق والنفقة والحضانة، انطلاقا من مبدأ يعتبره القائمون عليه أساسيا، وهو ضمان المصلحة الفضلى للطفل. ويأتي هذا التوجه في ظل ما تخلفه حالات الانفصال العائلي من تداعيات اجتماعية ونفسية، يتحمّل الأطفال الجزء الأكبر من آثارها.
وفي هذا السياق، أوضحت رئيسة منظمة حماية أطفال المتوسط، ريم بالخذيري، أن التمشي الحالي القائم على الإسناد الآلي للحضانة للأم لم يعد ملائما في جميع الحالات. وأكدت أن بعض الوضعيات العائلية تفرض البحث عن حلول بديلة تضمن الاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل، مشيرة إلى أن التوسّع في اعتماد مبدأ الحضانة المشتركة، مع وضع شروط واضحة ودقيقة، قد يكون خيارا يحقّق توازنا أفضل للأسرة بعد الطلاق.
أما بخصوص النفقة، فقد تضمّن المقترح جملة من النقاط الأساسية، من بينها إمكانية إسقاط النفقة في حال اعتماد الحضانة المشتركة متى توفرت الشروط القانونية الضرورية لذلك. كما دعا المقترح إلى مراجعة معايير احتساب النفقة، بحيث يتم الأخذ بعين الاعتبار الوضعية المالية للأم أيضا، في خطوة تهدف إلى تجاوز الصورة النمطية التي تحصر دور الأب في الالتزام المادي فقط، وإعادة تثمين دوره كشريك فعلي في التربية والرعاية.
وفي معطى لافت، كشفت بالخذيري عن وجود ما يقارب 150 ألف أب محل تفتيش في قضايا تتعلق بالنفقة، معتبرة أن هذا الرقم يعكس أزمة اجتماعية عميقة لها انعكاسات مباشرة على الأطفال. كما أشارت إلى أن لجوء المحاكم بسرعة إلى إصدار أحكام بالسجن ضد الآباء في قضايا النفقة يطرح إشكالا إضافيا، إذ قد يؤدي في عديد الحالات إلى تعقيد أوضاع العائلات وزيادة هشاشة وضعية الأبناء.
وفي ختام حديثها، شدّدت رئيسة المنظمة على أن مراجعة ملف الطلاق والنفقة والحضانة أصبحت، وفق تقديرها، ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل، معتبرة أن الواقع الاجتماعي الحالي يفرض اعتماد مقاربة أكثر مرونة وإنصافا، تستجيب للتطورات الحاصلة وتحمي في المقام الأول مصلحة الطفل وتصون كرامة الأسرة التونسية.

تعليقات
إرسال تعليق