يشهد ملف الأدوية والعلاج في تونس خلال الفترة الأخيرة نقاشاً متزايداً، في ظل تزايد شكاوى المواطنين من ارتفاع تكاليف العلاج والصعوبات المرتبطة بالحصول على بعض الأدوية أو استرجاع المصاريف الصحية. وفي هذا السياق، حذّر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تنجم عن تواصل ارتفاع أسعار الأدوية، معتبراً أن الوضع أصبح يثقل كاهل عدد كبير من العائلات التونسية.
وأوضح الشكندالي أن الأسعار الحالية للعديد من الأدوية لم تعد تتلاءم مع مستوى الدخل المتوسط للمواطن التونسي، فضلاً عن أصحاب الدخل المحدود الذين يجدون أنفسهم أمام مصاريف علاجية متزايدة يصعب مجاراتها. وأشار إلى أن توفير كلفة العلاج أصبح يمثل تحدياً يومياً بالنسبة إلى العديد من الأسر، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمراض تتطلب متابعة مستمرة أو أدوية مرتفعة الثمن.
كما تطرق إلى منظومة التأمين على المرض التابعة للصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام"، معتبراً أن المواطنين لا يتمكنون دائماً من استرجاع مصاريف العلاج في آجال معقولة. وبيّن أن إجراءات التعويض غالباً ما تكون، وفق تقديره، مصحوبة بتعقيدات إدارية تتطلب تقديم عدد من الوثائق والملفات، وهو ما يزيد من معاناة المرضى وعائلاتهم في مرحلة يكونون فيها بحاجة إلى الدعم أكثر من أي وقت آخر.
وأضاف أن الصعوبات المالية ازدادت حدة بعد دخول القانون الجديد المتعلق بالشيكات حيز التنفيذ، موضحاً أن عدداً من العائلات كانت تعتمد سابقاً على الشيكات لتقسيط دفع فواتير العلاج المرتفعة. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الإمكانية أكثر تعقيداً بالنسبة للكثيرين، ما يدفع بعض الأسر إلى البحث عن حلول بديلة، من بينها الاقتراض من الأقارب أو الأصدقاء لتوفير الأموال اللازمة لشراء الأدوية أو تسديد تكاليف العلاج، في انتظار الحصول على التعويضات المستحقة.
وأشار الشكندالي إلى أن آجال استرجاع المصاريف قد تمتد، في العديد من الحالات، إلى أربعة أو خمسة أشهر، وهي فترة طويلة نسبياً بالنسبة للعائلات التي تضطر إلى دفع المبالغ مسبقاً. واعتبر أن هذه الوضعية قد تؤدي إلى تراكم الأعباء المالية بمرور الوقت، خاصة إذا ظهرت مصاريف علاجية جديدة قبل الحصول على التعويضات السابقة، وهو ما يجعل بعض الأسر تدخل في دوامة من الديون المتتالية يصعب الخروج منها.
وفي هذا الإطار، دعا أستاذ الاقتصاد إلى تسريع نسق تعويض مصاريف العلاج، لا سيما بالنسبة إلى المرضى المصابين بأمراض مزمنة والذين يحتاجون إلى أدوية وعلاجات بشكل متواصل. كما أشار إلى أن بعض المرضى يختارون منظومة استرجاع المصاريف بسبب عدم توفر عدد من الأدوية ضمن المنظومات الصحية الأخرى، ما يجعلهم أكثر تأثراً بطول آجال التعويض.
ولم يقتصر حديث الشكندالي على قطاع الصحة فقط، بل شدد أيضاً على أن مفهوم الدور الاجتماعي للدولة يجب أن يترجم إلى إجراءات عملية وملموسة، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم. واعتبر أن الصعوبات اليومية التي يواجهها المواطنون في هذين المجالين تثير، وفق رأيه، تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الحالية على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للمواطنين.
وتأتي هذه التصريحات في ظرف يشهد تزايداً في الشكاوى المتعلقة بارتفاع كلفة بعض الأدوية وصعوبات التزود بعدد من الأصناف الدوائية، وهو ما أعاد ملف الأمن الدوائي ومنظومة التعويضات الصحية إلى واجهة النقاش العام في تونس، وسط دعوات متزايدة لإيجاد حلول تضمن حق المواطنين في العلاج وتخفف من الأعباء المالية التي تواجهها العائلات التونسية.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق