في ساعةٍ متأخّرة من ليلة البارحة، عقد رئيس الجمهورية قيس سعيّد اجتماعًا مطوّلًا في قصر قرطاج، خُصّص لمتابعة تطوّرات الأوضاع في ولاية قابس بعد موجة الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها المدينة بسبب تفاقم التلوّث البيئي الذي يعاني منه الأهالي منذ سنوات.
اللقاء جمع الرئيس بكلّ من إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نوّاب الشعب، وعماد الدربالي، رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، حيث تطرّق المجتمعون إلى الأزمة البيئية في قابس وضرورة إيجاد حلول عاجلة تُنهي معاناة السكان الذين يعيشون وسط تلوّث خانق سبّب مشاكل صحية وبيئية خطيرة.
وخلال حديثه، شدّد الرئيس قيس سعيّد على أنّ العمل جارٍ لإيجاد حلول عاجلة وآنيّة للحدّ من التلوّث في قابس، إلى حين وضع استراتيجية وطنية شاملة تشمل كل مناطق الجمهورية، بهدف معالجة الملفّ البيئي بصفة جذرية ومستدامة.
وقال رئيس الدولة إنّ الوضع في قابس لا يمكن معالجته بالطرق التقليدية القديمة، لأنّها أثبتت فشلها، مشيرًا إلى أنّ المرحلة القادمة تتطلّب تفكيرًا جديدًا، ومقاربات مختلفة، وإرادة حقيقية لوضع حدّ نهائي لهذه الكارثة البيئية التي أثّرت على حياة المواطنين ومصدر رزقهم وصحتهم.
وأكّد سعيّد أنّه يتابع شخصيًا كل ما يجري في الجهة، وأنّ السلطات لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام معاناة المتساكنين. كما عبّر عن تقديره الكبير لوعي أبناء قابس، الذين وصفهم بأنّهم أظهروا حسًّا وطنيًا عاليًا في التعامل مع الأزمة، رغم ما يعيشونه من ظروف صعبة.
وأضاف رئيس الجمهورية قائلًا إنّه من غير المبالغة وصف وعي أبناء قابس بـ"الوعي غير المسبوق"، مستدلًا على ذلك بموقفٍ مؤثر قامت به إحدى حرائر تونس ليلة أمس، عندما تمكّنت بمفردها، وبشجاعة نادرة، من إقناع مجموعة من المحتجين بالانسحاب من الطرقات والمفترقات التي كانوا يغلقونها بين عين السلام وسيدي بولبابه وشنني، تجنّبًا لأيّ توتّر أو صدام مع قوّات الأمن.
واعتبر سعيّد أنّ مثل هذه المواقف تعبّر عن المسؤولية والروح الوطنية التي يتمتّع بها أهالي قابس، مؤكدًا أنّه يجب أن يكون المواطنون وقوّات الأمن صفًّا واحدًا في مواجهة من يحاولون استغلال الأوضاع البيئية والاجتماعية لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية ضيّقة.
وقال رئيس الجمهورية إنّ “تلك الأطراف أصبحت مكشوفة، وأغراضها لم تعد تخفى على أحد”، مشيرًا إلى أنّ هناك من يسعى إلى توظيف معاناة الناس من أجل زرع الفوضى أو ضرب مؤسسات الدولة.
وختم سعيّد حديثه بالتأكيد على أنّ الشعوب الحرة لا تُقهر، وأنّ الشعب التونسي سيواصل طريقه بثباتٍ نحو التحرّر الكامل والسيادة الحقيقية، ولن يقبل العودة إلى الوراء أو الخضوع لأيّ وصاية داخلية أو خارجية.
يُذكر أنّ ولاية قابس شهدت في الأيام الأخيرة احتجاجات واسعة شارك فيها الآلاف من المواطنين، طالبوا خلالها بتفكيك الوحدات الكيميائية القديمة التابعة للمجمّع الكيميائي، والتي وصفوها بأنّها السبب الرئيسي في التلوّث الخطير الذي تشهده الجهة منذ عقود.
وقد تخلّلت بعض التحركات مواجهات محدودة بين المحتجّين وقوات الأمن، استخدمت فيها الوحدات الأمنية الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين أغلقوا عدّة طرق رئيسية.
ورغم التوتّر الذي عرفته بعض المناطق، فإنّ المشهد العام يعكس اليوم وعيًا متزايدًا من الأهالي بضرورة المطالبة بحقّهم في بيئة سليمة ولكن بطريقة سلمية ومسؤولة، في انتظار أن تُترجم وعود الدولة إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع، تضع حدًّا نهائيًا لمعاناة قابس وسكّانها.
الفيديو;

تعليقات
إرسال تعليق