تتجه أنظار العالم، من قادة سياسيين ومستثمرين وخبراء طاقة، نحو إيران، في لحظة توصف بأنها من أخطر وأدقّ المراحل التي تمرّ بها البلاد منذ أكثر من أربعة عقود. فوفق تقرير لوكالة بلومبيرغ، يعيش النظام الإيراني وضعًا غير مسبوق، وسط مخاوف حقيقية من تداعيات أي انهيار محتمل على المنطقة والعالم.
هذه التطورات لم تعد مجرّد تحليلات سياسية، بل انعكست بسرعة على الأسواق العالمية. فقد قفز سعر خام برنت بأكثر من 5% خلال يومي الخميس والجمعة، متجاوزًا عتبة 63 دولارًا للبرميل، في إشارة واضحة إلى قلق المستثمرين من احتمال حدوث اضطرابات في إمدادات النفط، خاصة أن إيران تُعد رابع أكبر منتج داخل منظمة أوبك.
في هذا السياق المتوتر، كشف مسؤول في البيت الأبيض أن القادة الأمريكيين أطلعوا الرئيس دونالد ترامب على خيارات توجيه ضربات عسكرية، وهو ما زاد من حالة الترقب والقلق لدى العواصم العالمية. فمجرد التفكير في سقوط النظام الإيراني يُعيد إلى الأذهان سيناريوهات معقّدة شهدتها المنطقة في مراحل سابقة.
ويليام أوشر، المحلل السابق لشؤون الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وصف اللحظة الحالية بأنها الأهم في تاريخ إيران منذ ثورة عام 1979، تلك الثورة التي غيّرت موازين القوى في المنطقة وأدخلت إيران في عقود من التوتر مع الولايات المتحدة وحلفائها. ويرى أوشر أن العامل الاقتصادي هو المحرّك الأساسي لما يحدث اليوم، مؤكدًا أن النظام يواجه وضعًا بالغ الصعوبة، مع أدوات محدودة وقدرة ضعيفة على إعادة بسط السيطرة الكاملة.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة لسقوط النظام على الداخل الإيراني فقط، بل تمتد إلى الساحة الدولية. إذ يعتبر محللون أن ذلك سيمثّل ضربة قوية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي قد يفقد حليفًا استراتيجيًا آخر، بعد التطورات الأخيرة في فنزويلا وسوريا.
ورغم تصاعد التوتر، تشير المعطيات الحالية إلى أن صادرات النفط الإيرانية لم تشهد حتى الآن أي انخفاض ملحوظ، كما لا يزال الغموض يحيط بمصير محافظة خوزستان، وهي المنطقة الأهم في إنتاج النفط داخل البلاد. لكن المخاوف تزايدت بعد دعوة رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق والمقيم في الولايات المتحدة، عمّال النفط إلى الإضراب، مستحضرًا تجربة عام 1978 حين شكّلت إضرابات النفط ضربة قاضية للنظام الملكي آنذاك.
في المقابل، يحذّر خبراء أسواق الطاقة من أن تركيز الأسواق بات موجّهًا بالكامل نحو إيران، خاصة مع تنامي القلق من أن تستغل الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، حالة الفوضى المحتملة لمحاولة إسقاط النظام، على غرار ما حدث في فنزويلا. ويأتي ذلك في ظل شعور داخل الإدارة الأمريكية بالثقة بعد نجاح عمليات سابقة، سواء ضد مادورو أو بعد قصف المنشآت النووية الإيرانية في نهاية حرب الأيام الاثني عشر.
لكن هذا التوجه لا يخلو من مخاطر جسيمة. فمارك موبيوس، المستثمر المخضرم في الأسواق الناشئة، يرى أن سقوط الجمهورية الإسلامية سيُحدث تغييرًا جذريًا في ميزان القوى. وبينما قد يكون السيناريو الأفضل هو تغيير عميق في شكل الحكم، فإن السيناريو الأسوأ يتمثل في استمرار الصراع الداخلي وبقاء النظام وسط فوضى طويلة الأمد، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب مريرة شهدتها المنطقة بعد سقوط أنظمة قوية.
هذا تحديدًا ما يُقلق دول مجلس التعاون الخليجي، مثل السعودية والإمارات وقطر، التي رغم اعتبارها إيران خصمًا تقليديًا، سعت في السنوات الأخيرة إلى تحسين العلاقات معها، خوفًا من أن تتحول أي مواجهة عسكرية إلى فوضى شاملة تطال الجميع. فشبح الربيع العربي لا يزال حاضرًا، حيث أدّى سقوط أنظمة إلى فراغ في السلطة وفوضى دامية في أكثر من دولة.
وتزداد المخاوف مع تحذيرات إيرانية واضحة بأن أي هجوم سيجعل المصالح الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى إسرائيل، أهدافًا مشروعة. وترى إيلي جيرانمايه، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن أسوأ السيناريوهات بالنسبة لدول الجوار هو الفوضى داخل إيران، خاصة في ظل تنوع المتظاهرين وغياب قيادة موحدة تجمعهم.
من جهة أخرى، لا يستبعد بعض المحللين أن تؤدي الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية إلى نتيجة عكسية، عبر تعزيز النزعة القومية وتقوية موقف الحكومة. وتذهب دينا إسفندياري، محللة شؤون الشرق الأوسط في بلومبيرغ إيكونوميكس، إلى أن الجمهورية الإسلامية قد لا تبقى على حالها بحلول نهاية عام 2026، لكنها ترى أن السيناريو الأرجح هو تعديل في القيادة أو انقلاب من داخل الحرس الثوري، وليس ثورة شاملة.
وتؤكد إسفندياري أن احتمالات الانهيار الكامل لا تزال منخفضة، مشيرة إلى أن الإيرانيين يخشون الفوضى بعد مشاهدتهم لما حدث في العراق وسوريا، إضافة إلى القبضة الأمنية القوية التي تفرضها الدولة. أما ويليام أوشر، فيختتم تحليله بالقول إن انهيار النظام لن يكون بالضرورة أمرًا مُرضيًا، متوقعًا في المدى القريب انقسامات داخلية وصراعات عنيفة، مع استعداد الحرس الثوري للقتال بشراسة من أجل إنقاذ النظام.

تعليقات
إرسال تعليق